مطبخ نسوي: من الحميمي الضيّق إلى العالم
21 جانفي 2026
عندما نجلس نحن النساء حول الطاولة، ننظر مباشرة في أعين بعضنا البعض وننصت. تحملنا الحكايات فنستسلم لها، كأننا نحيك بإبرة صوف غطاء مناسبا لهذا البرد. فكرة تقود إلى أخرى حتى تتفكك بين يدينا كحبّات رمان… وأنا أستعدّ لنشر الحلقة الأولى من “مطبخ نسوي” وأراجع بعض التفاصيل، استعدتُ هذه الصورة. ليست فكرتي وحدي، فقد تحدّثت عنها كثيرات قبلي مثل جاين فوندا.
أترك السوشيل ميديا والكوميونتي ماناجمنت جانبا. فهي وظيفة مُنهكة لا سيما وأنني لم أنشر الحلقة بعد، فقط مقطع ترويجي قصير، حتى توالت تعليقات متتالية تتضمّن “أعضاء ذكريّة”، حذفتها سريعا قبل أن أنتبه أن لي الحق في تسجيلها قبل الحذف. سأفعل ذلك بالتأكيد في المستقبل !
لم يكن أي مشروع نسوي، ولا الفعل النسوي في مفهومه السياسي الأوسع، يوما فعلا فرديا، بل هو جهد جماعي تتظافر فيه الأفكار وتتشابك وتتراكم الحكايات، كثير منها شخصي. ولا يخلو عملنا النسوي من المشاعر والعاطفة، تلك التي تتّجه نحو العدالة. هذا المشروع أيضا، وأنا أقدّمه كمشروع نسوي، لا أنسى أنه جهد جماعي غني بالمشاعر.
فلم تكن الصورة الشعرية لتتشكّل لولا قلم صديقتي الشاعرة، وهذا دور الشعر، التي نشرت نصا منذ سنوات تصف فيه مطبخ هيفاء:
“ […] أكبر القضايا وأشد المشاكل تنتفي حول فنجان قهوة مع رشة زهر والقليل من رائحة البخور في مطبخ هيفاء. أكبر المشاريع وملفّات الشغل تُحلّل وتناقش وتُنجز حول قهوة بنّ مع رشة زهر والقليل من رائحة البخور.
في الدرج الثالث، أسرار التطبيب التقليدي والحديث: مرهم الفيكس، قارورة الزهر وعود الشركة، وأقراص مضادة للألم وأوجاع الرأس. تحتفظ هيفاء أيضا بوصفة ما، لتطمئن أن الأمور ستكون على ما يرام، وفي الأثناء تعدّ ڨاتو من أربع بيضات مع قليل من سكر الفانيليا والدقيق الأبيض الناعم، بينما تملأ الجو بالكثير من الأغاني لطرد الصمت والقلق.
بيت هيفاء حضن طيب وآمن، غني بالجمال والأكل وضجة الحكايات. مساحة لقاء بين صديقات قد لا تلتقينهن إلا نادرا، لكنها تحدث حول فنجان قهوة. رائحة مطبخ هيفاء تخبر أن العالم بخير، وأن الحب متاح وبلا حد، والوقت يتحوّل من لحظة إلى أخرى، وكذلك أحوال القلب”. أمل خليف
ثم لم تكن الفكرة لتكون لولا سيرين، التي استعارت صورة صالون البيت ولوحة حائطية عريضة، لتصف شعور الأمان خلال حصّة بوح جماعية، مستحضرة لوحة الصديقات التي اخترتها منذ سنوات في بيتي للفنان فائز صفر. تفاعلت رولا وأطلقت للمرة الأولى عنوان “مطبخ نسوي”. عدتُ إلى تونس من المدرسة النسوية الإقليمية سعيدة بهذا الظفر، وقرّرت أن نبدأ العمل.
لم تكن المسودة الأولى لتوجد لولا أميرة يعقوبي، وهي الباحثة في علم الاجتماع التي سبقتني في بحث تحت إشراف الأستاذة آمال قرامي حول الأمكنة والفضاءات النسوية. أثناء حديثنا خلال المقابلة، أطلقت أميرة مصطلح “فضاء نسوي” ونحن جالستان في المطبخ. منحت هذه التوصيفات مشروعية وفهما معرفيا مشتركا وانطلقنا في كتابة المسودة الأولى لمشروع تحوّل تدريجيا إلى تصوّر صحفي وإعلامي من إمضائي.
كبرت خطة التنفيذ ونضجت ملامح التصوّر الصحفي خارج البيت. بدأ الخطّ التحريري يتشكّل بحثا عن زاوية جديدة للطرح. كل المساهمات من حولي وضعت يدها في هذا الطبق الذي يُطبخ منذ وقت طويل. كما قال هيكل وأستعير حرفيا: “كل وحدة تحرود في العناصر حتى تتشكّل اللبنات الأولى لسرديات جماعية مشتركة”. صقلتُ مع هيكل فكرة العناصر المادية ومرئيتها. اقترحت شيماء عددا من الضيفات والحلقات، وطوّرت هبة التصوّر البصري والفني وساعدتني في الملابس والديكور... اقترح عماد تعديلات تقنية بصفته منتجا ملمّا بجوانب التصوير. حضر فارس معي في كل خطوة ليخط الهوية البصرية، ولم يترك أمين يدي وهو يؤمن بي بقدر ما دعمتني باسكال وأمل وإيمان وشجّعوني على الثقة والمواصلة…
كل كلمة خُطّت، أتذوّقها وأضعها بعناية في الطبق. أنتبه قليلا: هل اختلط مذاقها؟ ثم أواصل. اشتركت العناصر في البداية في وصف المكان: الفضاء، المطبخ. هذا المكان الحميمي والصاخب والدافئ الذي تحيط به الكثير من النمطية. ربما اختاره السياق ولم نختره نحن، حيث يضيق بنا الفضاء العام ونتجادل سياسيا مع الفضاء النسوي المُمهنن.
غادرتُ البلاد، أخذتني الرحلة نحو تقاطعات ضرورية ساهمت في فتح الطريق بعيدا عن الأفق الضيّق هنا في تونس. لم يكن المشروع جاهزا بعد، إلا وقد انفتح على تقاطع واضح سيرافقنا طيلة الموسم القادم: الفني، والسياسي، والنسوي. معا! هكذا قدّمت نفسي في هلسنكي وفي نيبال وفي تركيا، وفي عدد كبير من الاجتماعات واللقاءات، وأنا أرى عذابات النساء غير المرئيات يساهمن في إنتاج معرفة لا نجد لها مكانا في الإعلام، ولا أقصد هنا الإعلام التقليدي فقط، بل كل إعلام الضوضاء والحروب والأرواح المنكوبة.
ظللت أتحدّث طويلا في الأثناء مع مرافقي من كولومبيا نتمشى في شوارع المدينة ويخبرني أن كل هذا ممكن مع مثابرتي، تهاتفني المسؤولة في المحطة الثقافية وقد خصصت وقتا لتشاهد الحلقة الأولى لتخبرني أن هذا المنتوج يستحقّ. بدأنا حينها نتحدّث عن منتوج يجب تسويقه. كنت منشغلة بشدّة لأسابيع: أرسل الإيميلات، أتواصل مع الصديقات، أزعج باسكال أحيانا وأبكي مع رولا أحيانا، وأتخمّر بالمعاملات الإدارية، أكلّ ثم أصرف النظر طويلا عن كل ما يثبطني. أرى أعمال النساء من حولي ومشاريعهن، فأتذكّر أنها تستحقّ. في طريقي، أرى النساء في نيبال يشتغلن بأقل بكثير من الأجر الأدنى وأتذكّر فورا لماذا اخترت الصحافة منذ أكثر من خمس عشرة سنة، وإن لم أمارسها يوما كما أحب.
كيف يمكنني أن أنجو بإنسانيتي من قحط العالم؟ كيف نساهم معا، بجهد نسوي، في اقتصاد بديل؟ كيف نحكي عن الكاتبة والمسرحية والشاعرة والمغنية والراقصة والرسامة والمصممة… حين لا يكتب التاريخ سوى تاريخ الرجال؟ أقرأ إيمان مرسال، التي ساعدتني أيضا للأمانة، وهي تصف “عبثية الأرشيفات الرسمية” و”كهنة الأدب”. أقف أمام مكتبة تاريخ الفن فلا أرى سوى الأسماء نفسها تتكرّر. طال النقاش، خصّصت جزءا من السنة للبحث في الموضوع، وساعدني برنامج الزمالة في أن أجد فريقا رائعا لأفكّك معه هذا الهاجس: الفن كأداة للمقاومة.
حملتني التجربة لأن أرى بوضوح حاجتنا للفن من أجل الإنساني الذي يجمعنا. لم أكن أحتمل الفروقات بين العوالم والطبقات ولا بين ما يُسوّق له باعتباره القاعدة أو النموذج المثالي. ترسّخ شعوري بالاستياء، استياء قاتل للبهجة كما قالت سارة أحمد، وأنا أراقب الفوارق الطبقية من هلسنكي إلى نيبال وما بينهما. حزنت عند عودتي، وأنا أشعر بعجز كبير أمام الأبعاد الاقتصادية المركّبة التي تجعل سدّ هذا التفاوت شبه مستحيل وتدفع النساء ضريبته.
صوّرت الحلقات الأولى بلا موارد، رحّبت ضيفاتي الفنانات بالفكرة وقابلنني بالحب والمشاركة في برنامج حميمي مصوّر لا يحمل أي ماض يشفع له. هذا ما تفعله النساء. رائع! شعرت بالتعب أحيانا كثيرة وفي كل مرة أذكّر نفسي أنني سأملأ “مطبخ نسوي” بصخب كل الفنانات المحبّات للحياة. أمضيت أياما ثقيلة أخرى من الانتظار والصبر وإعادة الترتيب والجو في تونس لا يزيد إلا احتقانا. يدعمني أمين كصديق ويحوّطني إخوتي بفخر وتغطيني أمي بدعواتها، لم أحتج أكثر من ذلك. عاد كل شيء إلى مكانه، حتى اتصلت بي في يوم قريب صديقتي إيمان تخبرني أنني حظيت بالموافقة وسأقوم بتنفيذ الموسم الأول.
لا يمكن أن يكون هذا المشروع فرديا. أبقيتُ على اسم “مطبخ نسوي” تحديدا لهذا السبب. فكرة تُطبخ منذ سنوات، شيء دافئ نجتمع فيه بصحبة وألفة ودفء، وكثير من أحاديث آخر الليل. مساحة لطبخ “وصفات نسوية” جماعية ضد القبح، والذكورية، والسائد، ونحتفي ببعضنا، مع الموسيقى. لن يكون دون أخطاء، لا سيما مع الطريق الطويل للإنتاج من أجل محتوى صحفي نسوي تونسي مستقل. لكنني أعدكنّ.م بموسم مستمر خلال 2026، حتى نصل تدريجيا إلى ما يمكن أن يرسم لوحة فنية لا تخلو من التسييس. ولنأخذ المسألة أبعد، من أجل اقتصاد نسوي بديل. سأبدأ بما أعتبره دوري كصحفية… لتكن خطوة واحدة.
هل يبدو هذا السرد عشوائيًا؟ ذكّرتني رولا أمس ألا أترك تمرين الكتابة. وكتلميذة مجتهدة، عزمت أن أواصل من حيث توقّفت في تدوينتي الأخيرة: كثير من الامتنان وجهد يسدّ الغضب. أستغل معكن هذه المساحة الخاصة وتدويناتي التفريغية كي أتمنّى اليوم أن تكنّ متابعات وفيّات للحلقات القادمة على قناة اليوتيوب، وصريحات في التعبير عن ملاحظاتكن من أجل تطوير المحتوى. لا تحكمن قبل الحلقة الثالثة والرابعة، فالحلقتان الأولى والثانية تجريبيتان.
كل المبدعات ضيفات محتملات، لا تترددن في تقديم المقترحات. أتمنى أن تجد كل المشاريع النسوية الإبداعية طريقها نحو “مطبخ نسوي”.


